الشيخ محمد رشيد رضا
306
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القاضي عياض بعد جزمه هو بأن الأصح المختار عند الشافعية تحريم السواد ما نصه : « وقال القاضي اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه فقال بعضهم ترك الخضاب أفضل ورووا حديثا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في النهي عن تغيير الشيب ولأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يغير شيبه ، روي هذا عن عمر وعلي وأبي وآخرين رضي اللّه عنهم وقال آخرون الخضاب أفضل وخضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم للأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره ، ثم اختلف هؤلاء فكان أكثرهم يخضب بالصفرة منهم ابن عمرو وأبو هريرة وآخرون وروى ذلك عن علي وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران وخضب جماعة بالسواد روي ذلك عن عثمان والحسن والحسين ابني علي وعقبة بن عامر وابن سيرين وأبى بردة وآخرين ( قال القاضي ) قال الطبراني « 1 » الصواب أن الآثار المروية عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض بل الامر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبى قحافة والنهى لمن له شمط فقط ( قال ) واختلاف السلف في فعل الامرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الامر والنهى في ذلك ليس للوجوب بالاجماع ، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه في ذلك ( قال ) ولا يجوز أن يقال فيهما ناسخ ومنسوخ ( قال القاضي ) وقال غيره هو على حالين فمن كان في موضع عادة أهله الصبغ أو تركه فخروجه عن العادة شهرة ومكروه والثاني انه يختلف باختلاف نظافة الشيب فمن كانت شيبته تكون نقية أحسن منها مصبوغة فالترك أولى ومن كانت شيبته تستبشع فالصبغ أولى ( قال النووي ) هذا ما نقله القاضي والأصح الأوفق للسنة ما قدمناه عن مذهبنا واللّه أعلم اه أقول إن هذا الاصرار من النووي رحمه اللّه تعالى على تصحيح مذهب أصحابه وجعله أوفق للسنة من غريب تعصبه لهم بعد العلم بعمل بعض عظماء الصحابة والتابعين بخلافه وسائر ما نقله عن القاضي وغيره في المسألة ، ومنه قول الإمام الطبري من أن الامر في هذه المسألة - وكذا أمثالها - ليس للوجوب والنهى ليس للتحريم لأنها من أمور العادات والزينة والتجمل بين الناس ، وما نقله عنه وعن غيره من كونها تختلف باختلاف السن وباختلاف العادة والأحوال بين الناس ويعتبر فيها الذوق في الزينة هو الصواب كما قال الطبري ، وأي مدخل للتحريم في مثل هذا ولا محرم في الشريعة السمحة الا ما كان ضارا ؟
--> ( 1 ) كذا في الأصل ، والذي اذكره ان قائل هذا هو الامام الطبري لا الحافظ الطبراني